همهمات على ضفاف العاصي – تركيا

 

على أطراف مدينة أنطاكية، في إقليم هاتاي ، أبناءُ آدم يحيون على ضفاف الفقر. يعيشون في خيمٍ أشبه ماتكون بأكياسِ نايلونٍ ضخمة، لها زُرقة السماء وكآبة الطين، تعلوها مداخنٌ أبت إلا أن تزيدها شقاءً وحزناً. سكان تلك المخيمات وعلى غرار نهر العاصي الذي خالف أبناء عمومته فسرى من الجنوب إلى الشمالنزحوا من “جنوب” الحدود السورية التركية إلى “شمالها”. يقتاتون على ماتجنيه أيديهم من نزر يسير لا يبلغ حد الكَفاف ، وعلى ماتجود به الأيد النديةُ من مساعدات.

 

تعابير فرحٍ وسعادة تتكون على محيى طفلة ، كفّ امرأةٍ عجوز تُبعد بحنانٍ خصلةً تهدلت على وجه إحدى المتطوعات ، وقبلةٌ انطبعت على جبينِ متطوعٍ سرقها من مسنٍ دون أن يلحظه أحد. صورٌ جميلة قد ترتسم مراراً وتكراراً في الرحلات التطوعية لمساعدة الشعوب المنكوبة جراء الحروب والأزمات.

 

تلك صورٌ رصدتها خلال رحلتي الأخيرة إلى إقليم هاتاي في تركيا، لم تستقبلها خلايا دماغي ملونةً ، إنما كانت صوراً سوداءَ مشوّهة.

 

أعددت حقيبتي وحزمت همومي وكآبتي إلى جانب ثيابي. رحلتُ وفي خلدي أهدافٌ كثيرة أرجوها من هذه الرحلة، استطلاع أحوال اللاجئين كان هدفا رئيسيا بين أهدافي. لهذا السبب أعملتُ حواسي كلها. لم يكن سيل المعلومات صافياً ، فأنا إنسانٌ أنظر بعينٍ عوراء وأسمع بأذنٍ خرساء، ولا أتكلم إلا بلسانٍ غالبه الفضول والتساؤل.

 

بالنسبة لي كان مقدارا القبح والجمال متساويان، أو ربما كنت دائما أحاول أن أُرجح كفة القبح حين ترجح كفة الجمال فأبحث عن شيء ينغص عليّ ما أفرحني !

 

أن يتحلق الأطفال بفرح حول (‬الغريب اللطيفلهُو مشهدٌ يبعث على السرور، الجميع بدا سعيدا ، المتطوعون والمنكوبون على حد سواء. وُزعت الهدايا على الأطفال ، تهافتت الكاميرات لإيقاف تلك اللحظات في صور فوتوغرافية ، وفي فترة زمنية بسيطة انتشرت أعلام الكويت في أكف الأطفال ونُقشت على الخدود وتحول المخيم إلى مايشبه الكرنفال يفيض سعادة وبهجة.

 

وفي طرف آخر من المخيم أو (الكرنفالعالمٌ بسيط ولكن أكثر حدةتجمع أرباب الأسر حول الشاحنة المحملة بشتى المعونات ، سلات غذائية ، بطانيات ، مسلتزمات نظافة ، ومجموعة من المتطوعيين السوريين يقومون بالعمل الشاق من تحميل وإنزال ومداراة للأسر ومحاولة تلبية احتياجاتهم قدر الإمكان ، وحول الجميع جمهرة من المتطوعين المتفرجين ! هل كان هذا أحد المنغصات ؟ ربما. أو ربما تبادلي الأحاديث مع المتطوعيين السوريين ، عرفت كثيرا عن طرق عملهم وعن العمل التطوعي في تلك المنطقة، وكيف تكون سيرورة العمل والتصريحات اللازمة لذلك بدءاً من الكويت حتى تصل المعونات إلى أيد اللاجئين، وسمعت بالطبع شتائمَ عدة توالت على طائفة ، ويلاتٌ صُبّت على نظام ، ودعاءٌ بهلاك الآخرين.

 

هذا بالتأكيد أثار اشمئزازي. في زمن الحروب الحروب الأهلية منها بالخصوصتختلط الأوراق ويغدو الصديق عدوا والعدو صديقا ، وتكثر الخلافات والشقاقات ، وبقدر تعاطفي مع الوضع القائم وتفهمي لأسباب مثل تلك التصرفات إلا أنني كنت أرى أنها يجب أن لا تطفو على السطح في مهمات الاغاثة الإنسانية. أن تكون متطوعا يعني أن تكون حياديا ، أو أن تبدي الحيادية على الأقل. لم أسأل سورياً قط من أين أتيتَ من أراضي سورية إلا وتقيأ سيل شتائمٍ قبل أن يجيبني، لم أعد بعدها لذاك السؤال.

 

كان الفريق التطوعي يتألف في غالبيته من الكويتيين وقليل من السعوديين والبحرينيين ، هذه التركيبة من مختلف الجنسيات إضافة إلى اختلاف الأعمار والمستويات العلميةأعطت انطباعًا وتوقعًا لتصرفات كل فرد من المتطوعين ، وهذه التوقعات إن صدقت في أحيان فهي تكذب في أحيان كثيرة ، ونحن جميعا في نهاية المطاف “كويتيون” في نظر الطرف الآخر !

 

وجدت نفسي أمام عينة من المجتمع الكويتي ، فما بين “عيال بطنها” و”البدون” ومابين “الطبيبة” و”طالبة الثانوية” تنوعت المذاهب والمشارب. لست من اللذين ينخرطون بسهولة مع الجماعات ، لكنني استطعت بقدرٍ ما اختراق بعض جوانب هذا الفريق، واجهت صعوبة في التأقلم بداية الأمر لكن سرعان ماتكسرت الحواجز أمامي.

 

الرفاهية إلى جانب الإنسانية ، هذا مايختصر تلك الرحلة التطوعية. السكن الجميل والمريح ، وجبات الأكل الدسمة والجولات السياحية ، أمور لامفر منها ولم أتوقع غير ذلك حين انضممت إلى قائمة المتطوعين. لاعيب في ذلك ولا ضير ، إنما كانت نفسي لا تتقبل ذلك ولو أنني شاركت مرارا في تلك الأنشطة، لا أتقبلها كوني ببساطة صاحب شخصية وسواسية مهووسة بالفصل بين الأمور ، فالرفاهية ومساعدة الفقراء والمحتاجين لا يجب أن يجتمعان في نظري ! ولا أُخفي أن صراعاً قائما في داخلي مذْ عدتُ من تنزانيا ، صراعٌ بين أن أحيا حياةً طبيعية مرفهة نسبياأو أن أزهد لأساعد الآخرين. صراعٌ كهذا الصراع يعتملُ في داخلي رغم أنني قد حسمت المعركة لصالح الرفاهية منذ زمن بعيد.

 

مايصوره الاعلام هو كالآتي: أناسٌ أفضل حالا يقدمون المساعدة لأناسٍ أسوء حالا ، لكن مالم أدركه قبل أن أنوي السفر إلى تلك المناطق أن الناس الأفضل حالا إنما يأتون مثقلين بآلامهم ومشاكلهم ، وأنني أنا بنفسي لم أذهب خالي الوفاض ولم أسافر مرتاح البال ولو أني حاولت قدر الإمكان الاحتفاظ بهمومي لنفسيومايقال عن المتطوعين يقال عن المنكوبين ويسري على “الوسطاء” السوريين بين الفريقين.

 

لم آتي على ذكر “البدون” عبثا ، معضلة قائمة بحد ذاتها كانت حاضرة أمامي طوال الرحلة. تلك مشكلة وإن كنت ألّمُ ببعض جوانبها نظريا ، إلا أنني لم ألمسها عمليا إلا بعد أن التقيت بأحد أعضاء الفريق ، كويتيٌ بدون. هذا الكويتي الذي لم أشكك بكويتيّته قطكان نافذتي إلى عالم البدون. عرفت ذلك صدفةً حين أورطني لساني —كعادته- عندما ألقيتُ تعليقا فتقَ جرحاً كما يبدو. أثقلت كاهل ذاك الكويتي بأسئلة لا طائل منها فاستفاض أجوبةً أشبع فضولي بها. ألم أقل أن الناس يأتون محملين بآلامهم ومشاكلهم !

 

حزمت أمتعتي وعدتُ بأثقل مما جئت به ، عدت من رحلةٍ قد تكون هي الأسوء بين رحلاتي ، وصلت إلى أرض الوطن وفي صدري همهمات لم تجد لها طريقا في هذا الفضاء ، وربما لن تجد ..

 

لحظة الوصول لأولى المخيمات

 

علم الكويت حاضر وبقوة !

 

توزيع المعونات

 

في العيادة في المركز الصحي أثناء معاينة مرضى المخيمات

 

بعد أن تم إلغاء الفعالية الطبية قمنا بمساعدة المتطوعين السوريين في مهامهم

 


تنزانيا – تطرف موسيقي

مذياع السعادة

لا أتخيل بلداً بلا موسيقى

كانت هذه الجملة الوحيدة التي علقت بذاكرتي من تسامرٍ مع شابٍ تركي التقيته قبل بضعة أشهر في مدينة اسطنبول. كان يعزف موسيقى الجاز في بهو (الهوستيل) الذي نزلت فيه، ألقيت عليه التحية فاعتدل مسلماً ومرحباً بي أشد ترحيب . وبعد حديث قصير تعارفنا خلاله افتتحت حديث السهرة لتلك الليلة بسؤاله عن موسيقاه، وهو كما اتضح يدرس الماجستير في فن موسيقى الجاز.

لم يدر في خلدي أني سأضرب وتراً حساساً له حينما ألقيت ملاحظةً عن كون الموسيقى تضفي رونقاً خاصاً حينما تُعزف في الشوارع والأسواق في مختلف المدن ، وأن البلد الذي قدمتُ منه لا تُسمع الموسيقى في شوارعه إلا لماماً. فغر الشاب التركي فاهاً لم يغلقه إلا حين نطق بتلك الجملة ، لا أعلم هل أنني أعيش حقاً في بلد وصفه التركي بـ متطرف موسيقياً وفقير غنائياً “ فغياب المظاهر الغنائية عن الأماكن العامة قد يوحي بمثل ذاك الوصف.

إن هذا الموقف قد ذكرني ببلدٍ لا يخلو من تطرف، تطرف موسيقيٌ غنائي مخالفٌ لما عهدته في بلادي.

فمذ وطأت قدماي أرض تنزانيا وأنا لم أزل أسمع الأغاني والأهازيج في كل مكان، في الشوارع والأسواق، في البيوت والسيارات، وفي القرى والمدن على السواء.

رحلتي في الحافلة من مدينة دار السلام إلى قرية كيليماتندي لم يفتر فيها صوت المذياع قرابة العشر ساعات، حتى إذا مافرغ مافي جعبتهم من أغانٍ سواحيلية أداروا المذياع إلى أبناء عمومتهم في القارة الأمريكية وراحوا يتمايلون مع أغانيهم.

وفي تلك الليلتين اللتان قضيتهما في ضيافة عائلة تنزانية ، امتزجت أحاديثنا بموسيقى وأغانٍ افريقية. ولا أبالغ إن قلت أنني لم أتكهن بالوقت الذي يموت فيه المذياع أو متى يحيى! كنت أنام وأستيقظ على صوته.

كما أن من بين الذكرات الكثيرة في القرية كان لجارنا الودود نصيبٌ منها. فإلى جانب صياح ديكته منذ الصباح الباكر كان صياح مغنين يُسمع طوال النهار. وحتى حين توفي أخ لجارنا استمر صوت الأغاني ينبعث من ذلك البيت ولكن بمحتوى آخر، محتوى روحي ووجداني.

في اعتقادي أن الأغاني والموسيقى حاجةٌ من حاجات البشر. فحتى المجتمعات التي تحرم شكلاً من أشكال الأغاني تجد لديها أشكالا أخرى محللة، أو قد ترى لوناً من أهازيج شعبية أو ترانيم وصلوات روحية لا تنفك تلبي حاجة تلك الشعوب إلى الغناء!


تنزانيا – من القرية إلى المدينة

عند مفترق الطرق

طوال الخمسِ سنوات الماضية دأبتُ على قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عائلتي في مدينة القطيفالسعودية ، والتي تبعد عن البحرين مقر إقامتي ودراستيحوالي ١٠٠ كم أقطعها في مدة لا تتجاوز الساعة ونصف الساعة. ولأني أقضي ذلك الوقت وحيداً كان لابد من مٌلهٍ أو مُسلٍّ لي في الطريق ، فتارةً أستمع إلى المذياع ، وتارةً أخرى أستمع إلى كتابٍ مقروء ، أو ربما أشغل نفسي بالتخطيط لما سوف أنجزه في الأيام القادمة. لكن أكثر ما كان يشغل بالي هو ممارسةُ رياضةٍ محببة إلي ، ألا وهي رياضة التفكير. أحاول بلورة أفكاري ، أحسم رأيي في بعض المسائل التي تهمني ، أحدد موقفي حيال القضايا التي تجري من حولي ، ومؤخراً ، أقيّمُ تجربتي الأخيرة في القارة السوداءافريقيا ، وبالتحديد في جمهورية تنزانيا.

جُبلت عقولنا على المقارنة ، حين نتناول وجبة غذاء في مطعمٍ ما فإننا نقارن بينها وبين طبخ البيتأو بين هذا المطعم ومطاعم أخرى. حين نحصل على وظيفة جديدة نقارنها بالوظيفة السابقة وكذا الوظائف اللاحقة. وحينما نسافر فأكثر ما نبرعُ فيه هو فعل المقارنة. نقارن بين حياتنا و(حياتهم) ، شوارعنا و(شوارعهم) ، بيوتنا و(بيوتهم). وبالخصوص عندما تتوافق الظروف والأزمنة والأمكنة !

هكذا تلائمت ظروف رحلة نهاية الأسبوع في تنزانيا مع رحلة نهاية الأسبوع بين البحرين والسعودية.

كنت أقطن في قرية كيليماتندي (Kilimatinde) والتي تبعد عن العاصمة دودوما (Dodoma) حوالي ١٠٠ كم. قررنا قضاء عطلة نهاية الأسبوع في العاصمة ، ولأننا لا نملك سيارة خاصة ولا أحد من سكان القرية أيضاًفقد تحتم علينا مزاحمة السكان المحليين ومشاطرتهم شظف العيش باستخدام وسائل النقل العام.

كان علينا المرور بثلاث مراحل مختلفة واستخدام شتى وسائل المواصلات من أجل الوصول إلى هدفنا المنشود. أولى المراحل تبدأ من منزلنا في القرية وتنتهي إلى الطريق السريع. وثانيها من النقطة التي يلتقي فيها مخرج القرية مع الطريق السريع إلى محطة الحافلات في وسط العاصمة. والمرحلة الأخيرة من المحطة إلى الفندق الذي سوف نقضي ليلتنا فيه.

للوصول إلى الطريق السريع كان علينا استخدام وسيلة المواصلات الوحيدة في القرية ، ألا وهي الدراجة النارية ، عبر طريق ترابي وعر كثير الحفر والمطبات. استغرق منا ثلث ساعة قضيناها متأهوين.

على جانب الطريق السريع جلسنا منتظرين مرور الحافلة التي سوف تقلنا إلى العاصمة ، حافلة تحمل اسم (Super Mamuu) –من نوع كوستر لشركة تويوتا-. هذه الحافلات تُسيّر رحلاتها بين نقطتين ثابتتين ، تنطلق من إحدى المدن باتجاه العاصمة دودوما أو العكس ، وفيما بينهما تقف لتُقلّ كل من ينتظرها على قارعة الطريق.

كان وصولنا إلى مفترق الطرق في الصباح الباكر عقب بزوغ الشمس بقليل ، ثم انتظرنا نصف ساعة أخرى حتى جاءت الحافلة وأقلتنا. ما إن وطأت قدمي العتبة الأولى للحافلة حتى تبصّرتُ ما سوف نعانيه طوال الرحلة ، وذلك ما لم أتوقعه !

كان نصف الركاب جالسين في مقاعدهم والنصف الآخر كانوا واقفين في الممر الذي ينفرد في منتصف الحافلة قاسماً صفوف المقاعد إلى جهتين متقابلتين، يمنى ويسرى. لم يكن لنا مكانٌ شاغر لا مع القاعدين ولا مع الواقفين لكن مسؤول التذاكر نعم هناك مسؤول !- أشار إلينا بالركوب ومزاحمة بقية الركاب ، ففعلنا ذلك مرغمين.انحشرنا منتصبين كتماثيل ، أحدنا ملتصقٌ بالآخر ولا سبيل حينها للحراك.

لم تكن تلك المفاجأة الوحيدة ، ما فاجأني أكثر هو توقف السائق المتكرر لمن هم على جانب الطريق على الرغم من أن الحافلة ممتلئة بالكامل !

ما إن وصلنا إلى محطة الحافلات في العاصمة حتى تناثرنا كعقدٍ فَرُطتْ حباته فتساقطت الحبة تلو الأخرى. أخذ منا التعب مأخذه فتلقفتنا سيارة أجرة لتوصلنا إلى فندقٍ قريب لنستريح من وعثاء السفر.

كانت رحلةً مليئةً بالخواطر والأشجان رغم صوت المذياع الذي يصدح بأغانٍ افريقية تجلب البهجة بطبيعتها، مليئةً بالخوف والوجل لانخفاض مستوى السلامة والأمان في تلك المركبات ، مليئةً بالتفكير والمقارنة ، المقارنة بيننا و(بينهم) !

عند مفترق الطرق

عند مفترق الطرق

 

الحافلة مزدحمة بالمسافرين

الحافلة مزدحمة بالمسافرين

 

وقوفٌ بين القرية والمدينة

وقوفٌ بين القرية والمدينة

 

الباعة في محطة الحافلات

الباعة في محطة الحافلات

 

أحد مسؤولي المكاتب في محطة الحافلات

أحد مسؤولي المكاتب في محطة الحافلات


تنزانيا – السفاري الطبي

تجمع نسوة القرية مع أطفالهن

تجمع نسوة القرية مع أطفالهن لتلقي الخدمات الصحية

امتدت الصحراء بيضاءَ قاحلةً في انبساطٍ لا نهائي ، وبدا كأنها اتصلت بسماءٍ عبوسٍ باهتة لا ملامح لها سوى شمس الظهيرةقدمنا في سيارة (لاندكروز) قد كُتب عليها باللغة الانجليزية بخط أحمر سيارة إسعاف“. كانت قرية لا تربطها أي صلة بعالمنا هذا عدا أجهزة خلوية لا تستقبل إشارات الشبكة إلا بخجل.

على أنني كنت أعتبر قريتنا التي جئنا منها (فقيرة) ، إلا أنها كانت غنيةً إذا ما قورنت بتلك القرى التي كنا نزورها في السفاري الطبيشوارعٌ ترابية ، بيوت من طين ، أسقفٌ من جذوع الأشجار، وأطفال شعثٌ غبرٌ راحوا يتحلقون حول سيارتنا ، حول الضيفِ الغريب الذي يزورهم مرة كل شهر.

انتهى بنا المطاف إلى شجرة فارعة الطول منتصبةٌ أمام مبنى مهجور كان فيما مضى مركزا صحيا، وتحت تلك الشجرة جلس جمع من نساء القرية بأثواب ملونة زاهية تمردت على الطبيعة المنزوعة الألوان من حولها.

كانت مهمة فريق سفاري الطبي تتلخص في تقديم بعض الخدمات الصحية من فحوصات للحوامل والأطفال وإعطاء التطعيمات ، إضافةً إلى عمل بعض الاحصائيات.

تلك التجمعات تحمل فيما تحمل طابعا اجتماعيا وكانت لأهل القرية بمثابة مناسبة للقاء الأصدقاء وتجاذب أطراف الحديث. أو ربما تحمل طابعا اقتصاديا كما في قرى أخرىحين يقام سوقٌ شعبي يأتي إليه كل من انتهى من التجمع الطبي.

رغم بشرتي السمراء والتي ازدادت سمرة بعد مغادرتي لأورباإلا أنني كنت الأبيض الوحيد بينهم ! أو هكذا كانوا ينادونني. حرص أحدهم على التقاط صورة تجمعه معي ، وآخر طلب رقم هاتفي ، فيما اكتفى الآخرون بإلقاء تلك النظرات المندهشة. نعم هناك في تنزانيا عرفت كيف يشعر الأجانب ذوي  البشرة البيضاء والشعر الأشقر حين يزورون بلدنا !

علمت فيما بعد أن العرب لا يعاملوا معاملة البيض ولا ينعتوهم بتلك الصفة ، نظرا لاختلاط العرق العربي مع أعراقهم ، لكن ذلك لم يكن ليجدي معي أنا العربي المسكين.

تجربة السفاري الطبي من أروع التجارب التي مررت بها طوال مدة مكوثي في جمهورية تنزانيا وكان لها عظيم الأثر في صقل تفكيري وتغيير نظرتي للحياة.

المركز الصحي المهجور

 

من بيوت القرية

من بيوت القرية

 

الأبيض 😀

 

تسجيل بيانات المراجعين

 

صورة تجمعني مع أحد السكان المحليين والممرضة كريستين

صورة تجمعني مع أحد السكان المحليين والممرضة كريستين


جسور للتواصل

social networks

في المرحلة المتوسطة ، كان أحد الوكلاء في مدرستي من أفضل الشخصيات التعليمية التي عرفتها في حياتي الدراسية . “كان فينا كأحدنا” ، يضحك ، يمزح ويداعب ، يستمع لنا ويساعدنا في حل مشاكلنا ، وربما تناول معنا إفطار الصباح -على الرغم من تطفل بعض المدرسين أو الإداريين لمنع هذا النوع من الوجبة الجماعية داخل الفصول- !

بعد دخولي الجامعة وحين اتسعت الرقعة الجغرافية للمبنى الدراسي -نسبياً- زادت الهوة بين الطالب والمعلم ، فالاتصال المباشر مع الكادر الإداري كان معدوماً إلا ما ندر ، وعلاقة الطالب بأستاذه كانت لا تتعدى الساعات القليلة من وقت الدوام المحدود بداية ونهاية كل أسبوع .

تطور وسائل الاتصال الحديثة وظهور شبكات التواصل الاجتماعي -كـ تويتر و انستقرام- أدت في السنين الأخيرة إلى حل بعض من تلك العقد التي تحد من العلاقة بين الطالب ومعلمه .

ومما يلفت الانتباه هو الباب الذي فُتح من قبل أحد منسوبي الجامعة ، د. مريم فدا ، والتي أنشأت حسابين في تويتر وانستقرام ، كلاهما مخصصان لطلبة جامعة الخليج العربي .

وكما أوردت في نبذتها في حساب تويتر ، أنها أنشأت الحساب (لسماع أصوات الطلبة ومقترحاتهم لتحسين وتطوير أداء الجامعة) ، ولا عجب من تفاعلها مع الطلبة فهي خريجة هذه الجامعة التي لا يُسمع لطالبٍ فيها صوت ولا يُؤخذ برأيه ومقترحاته حتى وإن كانت تصب في مصلحة الجميع .

وكذلك تقوم الدكتورة بنشر الإعلانات في كافة المجالات الطبية وغير الطبية ، بالاضافة إلى تغريدها -أو إعادة تغريد- معلوماتٍ طبية وعلمية متنوعة ، وأيضاً نشر أخبار الجامعة والتي تهم الطلبة ، وقد تميزت الأخبار بالمصداقية كونها وردت من إحدى القنوات التي ترفد من إدارة الجامعة مباشرة. فتذليل أحدنا ما ينقله بأنه (كلام الدكتورة مريم) كفيل بالاطمئنان إلى ما جاء به !

لا أنسى عادتها بالدعاء للطلاب بالتوفيق قبيل كل اختبار من اختباراتهم على اختلاف السنوات الدراسية.

وجدت فيما قرأت من تعليقات و(منشنات)  في الحسابين ما يدلل على محبة للدكتورة بين جمهور من الطلبة ، ذكرتني بما كان لوكيل مدرستي المتوسطة من شعبية وعلاقة وثيقة بالطلاب وإن كانت الآن بيني وبين الدكتورة إفتراضية (بضغ كلمات وصور على الانترنت) .

حقا نحن بحاجة لأمثال الدكتورة مريم في جامعتنا ، فالتعاون بين الطالب والمعلم والإداري مهمٌ للرقي بالجامعة في كافة الأصعدة التعليمية وغير التعليمية.

“يمكنك التوصل إلى أعظم الأفكار ، لكنك ستحتاج إلى من يساعدك على تحويل هذه الأفكار إلى نتائج ، فلا يمكننا الوصول إلى القمة إلا إذا تعاوننا جميعاً”  – والت ديزني

الجمعة 29/11/2013


إطعامٌ بلا إسراف !

قدور الطبخ في عاشوراء

فقيرٌ يطلب المساعدة من زملائه في العمل لشراء جهاز تبريد ، لا لأنه لا يملك واحداً بل لزيادة قدرته الاستعابية على تخزين وجبات الطعام التي توزع في عاشوراء -وما بعدها من المناسبات الدينية خلال شهري محرم وصفر- والتي تكفيه حتى ستة أشهر بعدها !

هذا ما أخبرتني به والدتي عن حال هذا المحتاج قبل عام من الآن.

هناك خلل صحيح ؟

أين الخلل ؟!

عاماً بعد عام لازلت أرى المضائف الحسينية في ازدياد ولازلت أسمع عن المبالغ الضخمة والأوقاف التي توقف من أجل إطعام الناس في عاشوراء ، لا الناس جوعى ولا العطاء قليل !

فالإنفاق على الطعام بلغ حد التخمة ، والكثير من ذلك الطعام يذهب أدراج الرياح بلا شك.

قد يقول قائل : وذلك الإحسان بعينه عند إطعام الناس وعندما يتوفر لدى الفقير ما يشبعه لنصف عام ، أويصبر أحدنا على طعام واحد طول هذه المدة !!

فبدل أن تصرف هذا المبالغ على الطعام والطعام وحده ، حري بها بأن توجه لمجالات أخرى من مجالات الخير ، فللعطاء ألف باب وباب.

أبهرني فلم قصير شاهدته قبل يومين عن حملة تدعو إلى الإقتصاد في توزيع الأطعمة في عاشوراء ، تحت عنوان #إطعام_وإسهام ، أسرني الفلم بإنتاجه وروعة تمثيله فقد أوصل الرسالة بإتقان و”وضع يده على الجرح” كما يقال.

إلا أنه وللأسف لاحظت ظاهرة بدأت في الانتشار بشكل غريب هذه السنة ، وهي العروض والتخفيضات من تجار الأغذية -على اختلاف أنواعها- لأصحاب المآتم والحسينيات !!

في حين أن أصوات البعض تعلو كل عام مناديةً بعدم الإسراف في الطعام إلا أن تلك العروض تشجع على الإسراف وبشدة !

إنني أجزم أن تلك ليست رسالة الإمام الحسين ، إطعام الناس أمر حسن ولكنه متى مازاد عن حده فهو منبوذ.

أليست مساعدة الفقراء والمحتاجين تقربنا إلى الإمام الحسين وإلى مبادئه ؟

أليس الإنفاق على تثقيف الناس أجدى وأنفع ؟

أليس الإنفاق على أعمال التطوع أفضل ؟

فالأخذ بيد مجتمعنا إلى سلم المعالي لا يتطلب إشباع بطوننا الممتلئة ، بل إشباع عقولنا وحاجاتنا بحسن التدبير وحسن اختيار الطريق ..

3/11/2013
@hadialmohsen


ما لها إلا الشنب

dabbos

منذ عدة شهور حينما انضممت إلى جماعة المنظمين لمؤتمر التدخل الجراحي والطبي في معالجة مرضى الحوادث ، المؤتمر الذي تم بإعداد وتجهيز من طلبة جامعة الخليج من أوله إلى آخره

لا أنكر أنني كنت من المنظمين ولكن  كنت من المتابعين لما يجري في المؤتمر من بعيد ، وبكلمة أخرى لم يكن لي وجود إلا في أيام المؤتمر

من الأشياء الملفتة للنظر التي تمت الإشارة إليها في اجتماع للمنظمين قبل المؤتمر بيومٍ واحد هو اليد السخية التي امتدت من دولة الكويت لترعى المؤتمر الذي وللأسف لم يحظى بمثل تلك الرعاية من الشركات المحلية

وكعادة احتفالات الافتتاح من الرسميات وكلمات الشكر والروتين القاتل لكلمات المنظمين والمشاركين والرعاة ،  من بين كل تلك (المزهقات) كانت هناك كلمة للراعي الماسي للمؤتمر ألقاها ابن صاحب الشركة -لا أعلم مكانته في الشركة حقيقةً- ، كانت مقتضبة وسريعة لكنها وجدت طريقها إلى قلبي

أبنائي الطلبة ،،

أطباء المستقبل ،،

صدى هذه الكلمات ظلّ يتردد بين الشباب ، مشيدين بها وبمصداقيتها لأن تلك الأيادي هي من ساعدت المؤتمر ورعته بعكس من تغنى برعايته للمؤتمر من دون أي فعلٍ يُذكر !

كنت أقول -وليس على سبيل السخرية- : هذا شنب قولاً وفعلاً ، وشكلاً بالطبع !

ألف شكر وتقدير لك يا عم وللشركة الراعية (شركة سلمان عبد الله الدبوس وأولاده)

وأختتم كلامي بما اختتم به العم كلامه :

“الوالد يبلغكم تحياته”

26/5/2013
@hadialmohsen