Tag Archives: فريق

همهمات على ضفاف العاصي – تركيا

 

على أطراف مدينة أنطاكية، في إقليم هاتاي ، أبناءُ آدم يحيون على ضفاف الفقر. يعيشون في خيمٍ أشبه ماتكون بأكياسِ نايلونٍ ضخمة، لها زُرقة السماء وكآبة الطين، تعلوها مداخنٌ أبت إلا أن تزيدها شقاءً وحزناً. سكان تلك المخيمات وعلى غرار نهر العاصي الذي خالف أبناء عمومته فسرى من الجنوب إلى الشمالنزحوا من “جنوب” الحدود السورية التركية إلى “شمالها”. يقتاتون على ماتجنيه أيديهم من نزر يسير لا يبلغ حد الكَفاف ، وعلى ماتجود به الأيد النديةُ من مساعدات.

 

تعابير فرحٍ وسعادة تتكون على محيى طفلة ، كفّ امرأةٍ عجوز تُبعد بحنانٍ خصلةً تهدلت على وجه إحدى المتطوعات ، وقبلةٌ انطبعت على جبينِ متطوعٍ سرقها من مسنٍ دون أن يلحظه أحد. صورٌ جميلة قد ترتسم مراراً وتكراراً في الرحلات التطوعية لمساعدة الشعوب المنكوبة جراء الحروب والأزمات.

 

تلك صورٌ رصدتها خلال رحلتي الأخيرة إلى إقليم هاتاي في تركيا، لم تستقبلها خلايا دماغي ملونةً ، إنما كانت صوراً سوداءَ مشوّهة.

 

أعددت حقيبتي وحزمت همومي وكآبتي إلى جانب ثيابي. رحلتُ وفي خلدي أهدافٌ كثيرة أرجوها من هذه الرحلة، استطلاع أحوال اللاجئين كان هدفا رئيسيا بين أهدافي. لهذا السبب أعملتُ حواسي كلها. لم يكن سيل المعلومات صافياً ، فأنا إنسانٌ أنظر بعينٍ عوراء وأسمع بأذنٍ خرساء، ولا أتكلم إلا بلسانٍ غالبه الفضول والتساؤل.

 

بالنسبة لي كان مقدارا القبح والجمال متساويان، أو ربما كنت دائما أحاول أن أُرجح كفة القبح حين ترجح كفة الجمال فأبحث عن شيء ينغص عليّ ما أفرحني !

 

أن يتحلق الأطفال بفرح حول (‬الغريب اللطيفلهُو مشهدٌ يبعث على السرور، الجميع بدا سعيدا ، المتطوعون والمنكوبون على حد سواء. وُزعت الهدايا على الأطفال ، تهافتت الكاميرات لإيقاف تلك اللحظات في صور فوتوغرافية ، وفي فترة زمنية بسيطة انتشرت أعلام الكويت في أكف الأطفال ونُقشت على الخدود وتحول المخيم إلى مايشبه الكرنفال يفيض سعادة وبهجة.

 

وفي طرف آخر من المخيم أو (الكرنفالعالمٌ بسيط ولكن أكثر حدةتجمع أرباب الأسر حول الشاحنة المحملة بشتى المعونات ، سلات غذائية ، بطانيات ، مسلتزمات نظافة ، ومجموعة من المتطوعيين السوريين يقومون بالعمل الشاق من تحميل وإنزال ومداراة للأسر ومحاولة تلبية احتياجاتهم قدر الإمكان ، وحول الجميع جمهرة من المتطوعين المتفرجين ! هل كان هذا أحد المنغصات ؟ ربما. أو ربما تبادلي الأحاديث مع المتطوعيين السوريين ، عرفت كثيرا عن طرق عملهم وعن العمل التطوعي في تلك المنطقة، وكيف تكون سيرورة العمل والتصريحات اللازمة لذلك بدءاً من الكويت حتى تصل المعونات إلى أيد اللاجئين، وسمعت بالطبع شتائمَ عدة توالت على طائفة ، ويلاتٌ صُبّت على نظام ، ودعاءٌ بهلاك الآخرين.

 

هذا بالتأكيد أثار اشمئزازي. في زمن الحروب الحروب الأهلية منها بالخصوصتختلط الأوراق ويغدو الصديق عدوا والعدو صديقا ، وتكثر الخلافات والشقاقات ، وبقدر تعاطفي مع الوضع القائم وتفهمي لأسباب مثل تلك التصرفات إلا أنني كنت أرى أنها يجب أن لا تطفو على السطح في مهمات الاغاثة الإنسانية. أن تكون متطوعا يعني أن تكون حياديا ، أو أن تبدي الحيادية على الأقل. لم أسأل سورياً قط من أين أتيتَ من أراضي سورية إلا وتقيأ سيل شتائمٍ قبل أن يجيبني، لم أعد بعدها لذاك السؤال.

 

كان الفريق التطوعي يتألف في غالبيته من الكويتيين وقليل من السعوديين والبحرينيين ، هذه التركيبة من مختلف الجنسيات إضافة إلى اختلاف الأعمار والمستويات العلميةأعطت انطباعًا وتوقعًا لتصرفات كل فرد من المتطوعين ، وهذه التوقعات إن صدقت في أحيان فهي تكذب في أحيان كثيرة ، ونحن جميعا في نهاية المطاف “كويتيون” في نظر الطرف الآخر !

 

وجدت نفسي أمام عينة من المجتمع الكويتي ، فما بين “عيال بطنها” و”البدون” ومابين “الطبيبة” و”طالبة الثانوية” تنوعت المذاهب والمشارب. لست من اللذين ينخرطون بسهولة مع الجماعات ، لكنني استطعت بقدرٍ ما اختراق بعض جوانب هذا الفريق، واجهت صعوبة في التأقلم بداية الأمر لكن سرعان ماتكسرت الحواجز أمامي.

 

الرفاهية إلى جانب الإنسانية ، هذا مايختصر تلك الرحلة التطوعية. السكن الجميل والمريح ، وجبات الأكل الدسمة والجولات السياحية ، أمور لامفر منها ولم أتوقع غير ذلك حين انضممت إلى قائمة المتطوعين. لاعيب في ذلك ولا ضير ، إنما كانت نفسي لا تتقبل ذلك ولو أنني شاركت مرارا في تلك الأنشطة، لا أتقبلها كوني ببساطة صاحب شخصية وسواسية مهووسة بالفصل بين الأمور ، فالرفاهية ومساعدة الفقراء والمحتاجين لا يجب أن يجتمعان في نظري ! ولا أُخفي أن صراعاً قائما في داخلي مذْ عدتُ من تنزانيا ، صراعٌ بين أن أحيا حياةً طبيعية مرفهة نسبياأو أن أزهد لأساعد الآخرين. صراعٌ كهذا الصراع يعتملُ في داخلي رغم أنني قد حسمت المعركة لصالح الرفاهية منذ زمن بعيد.

 

مايصوره الاعلام هو كالآتي: أناسٌ أفضل حالا يقدمون المساعدة لأناسٍ أسوء حالا ، لكن مالم أدركه قبل أن أنوي السفر إلى تلك المناطق أن الناس الأفضل حالا إنما يأتون مثقلين بآلامهم ومشاكلهم ، وأنني أنا بنفسي لم أذهب خالي الوفاض ولم أسافر مرتاح البال ولو أني حاولت قدر الإمكان الاحتفاظ بهمومي لنفسيومايقال عن المتطوعين يقال عن المنكوبين ويسري على “الوسطاء” السوريين بين الفريقين.

 

لم آتي على ذكر “البدون” عبثا ، معضلة قائمة بحد ذاتها كانت حاضرة أمامي طوال الرحلة. تلك مشكلة وإن كنت ألّمُ ببعض جوانبها نظريا ، إلا أنني لم ألمسها عمليا إلا بعد أن التقيت بأحد أعضاء الفريق ، كويتيٌ بدون. هذا الكويتي الذي لم أشكك بكويتيّته قطكان نافذتي إلى عالم البدون. عرفت ذلك صدفةً حين أورطني لساني —كعادته- عندما ألقيتُ تعليقا فتقَ جرحاً كما يبدو. أثقلت كاهل ذاك الكويتي بأسئلة لا طائل منها فاستفاض أجوبةً أشبع فضولي بها. ألم أقل أن الناس يأتون محملين بآلامهم ومشاكلهم !

 

حزمت أمتعتي وعدتُ بأثقل مما جئت به ، عدت من رحلةٍ قد تكون هي الأسوء بين رحلاتي ، وصلت إلى أرض الوطن وفي صدري همهمات لم تجد لها طريقا في هذا الفضاء ، وربما لن تجد ..

 

لحظة الوصول لأولى المخيمات

 

علم الكويت حاضر وبقوة !

 

توزيع المعونات

 

في العيادة في المركز الصحي أثناء معاينة مرضى المخيمات

 

بعد أن تم إلغاء الفعالية الطبية قمنا بمساعدة المتطوعين السوريين في مهامهم

 

Advertisements