Tag Archives: music

تنزانيا – تطرف موسيقي

مذياع السعادة

لا أتخيل بلداً بلا موسيقى

كانت هذه الجملة الوحيدة التي علقت بذاكرتي من تسامرٍ مع شابٍ تركي التقيته قبل بضعة أشهر في مدينة اسطنبول. كان يعزف موسيقى الجاز في بهو (الهوستيل) الذي نزلت فيه، ألقيت عليه التحية فاعتدل مسلماً ومرحباً بي أشد ترحيب . وبعد حديث قصير تعارفنا خلاله افتتحت حديث السهرة لتلك الليلة بسؤاله عن موسيقاه، وهو كما اتضح يدرس الماجستير في فن موسيقى الجاز.

لم يدر في خلدي أني سأضرب وتراً حساساً له حينما ألقيت ملاحظةً عن كون الموسيقى تضفي رونقاً خاصاً حينما تُعزف في الشوارع والأسواق في مختلف المدن ، وأن البلد الذي قدمتُ منه لا تُسمع الموسيقى في شوارعه إلا لماماً. فغر الشاب التركي فاهاً لم يغلقه إلا حين نطق بتلك الجملة ، لا أعلم هل أنني أعيش حقاً في بلد وصفه التركي بـ متطرف موسيقياً وفقير غنائياً “ فغياب المظاهر الغنائية عن الأماكن العامة قد يوحي بمثل ذاك الوصف.

إن هذا الموقف قد ذكرني ببلدٍ لا يخلو من تطرف، تطرف موسيقيٌ غنائي مخالفٌ لما عهدته في بلادي.

فمذ وطأت قدماي أرض تنزانيا وأنا لم أزل أسمع الأغاني والأهازيج في كل مكان، في الشوارع والأسواق، في البيوت والسيارات، وفي القرى والمدن على السواء.

رحلتي في الحافلة من مدينة دار السلام إلى قرية كيليماتندي لم يفتر فيها صوت المذياع قرابة العشر ساعات، حتى إذا مافرغ مافي جعبتهم من أغانٍ سواحيلية أداروا المذياع إلى أبناء عمومتهم في القارة الأمريكية وراحوا يتمايلون مع أغانيهم.

وفي تلك الليلتين اللتان قضيتهما في ضيافة عائلة تنزانية ، امتزجت أحاديثنا بموسيقى وأغانٍ افريقية. ولا أبالغ إن قلت أنني لم أتكهن بالوقت الذي يموت فيه المذياع أو متى يحيى! كنت أنام وأستيقظ على صوته.

كما أن من بين الذكرات الكثيرة في القرية كان لجارنا الودود نصيبٌ منها. فإلى جانب صياح ديكته منذ الصباح الباكر كان صياح مغنين يُسمع طوال النهار. وحتى حين توفي أخ لجارنا استمر صوت الأغاني ينبعث من ذلك البيت ولكن بمحتوى آخر، محتوى روحي ووجداني.

في اعتقادي أن الأغاني والموسيقى حاجةٌ من حاجات البشر. فحتى المجتمعات التي تحرم شكلاً من أشكال الأغاني تجد لديها أشكالا أخرى محللة، أو قد ترى لوناً من أهازيج شعبية أو ترانيم وصلوات روحية لا تنفك تلبي حاجة تلك الشعوب إلى الغناء!

Advertisements